قال تعالى : " وهذا لسانٌ عربيٌ مبينٌ
" سورة النحل 103
اللغة هُوُية الأمة، وأعظم مقومات وجودها، ووطنها الروحي.
والأمم الحية تحافظ على لُغاتها حفاظها على أوطانها. والعلاقة
بين مكانة الأمة ومكانة لغتها وثيقة جداً، فاللغة هي الأمة!
هل يكفي أحدنا أن يعرف شيئاً من العربية ليقول أنا عربي؟ لقد
قال طه حسين: "إن المثقفين العرب الذين لم يتقنوا معرفة لغتهم،
ليسوا ناقصي الثقافة فحسب، بل في رجولتهم نقص كبير ومُهين
أيضاً."
إن هذا القول هو أَنَّةُ عربيّ تألّم جداً من تقاعس الكثيرين
عن الذَّود عن العربية، ومن استخفافهم بهذا الأمر الخطير.
قال أبو الريحان البيروني (362-440 للهجرة) العالِمُ الشهير،
الفارسي الأصل: "والله لأَنْ أُهْجى بالعربية، أحبُّ إليَّ من
أن أُمدح بالفارسية!"
ولا داعي هنا للحديث عن عبقرية اللغة العربية وخصائصها
الفريدة، فقد كُتب عن ذلك عشرات الكتب والدراسات والمقالات،
وانحنى لعظَمتها العرب والمستشرقون، حتى قال أحدهم: "ليس
على وجه الأرض لغةٌ لها من الروعة والعظمة ما للّغة العربية،
ولكن ليس على وجه الأرض أُمة، تسعى بوعي أو بلا وعي، لتدمير
لغتها كالأمة العربية!"
لقد أدركت القيادات السياسية الواعية في كثير من الدول أهمية
اللغة الوطنية، وأنّ تعزيزها هو مسألة كرامة، كرامة الأمة، أي
واجب قومي. فعزّزت كورية وفيتنام وفنلندة ورومانية وغيرها،
لغاتِها الوطنية، وجعلت التعليم بها في جميع مراحله؛ بل أحيا
الكيان الصهيوني لغةً ميتة! واستجاب المواطنون، خصوصاً
المثقفين، لرغبات قياداتهم، وآزروها وساعدوها على تطوير اللغة
الوطنية وازدهارها وسيادتها.
وما أعمق ما قاله الدكتور عثمان أمين في كتابه (فلسفة اللغة
العربية): "مَن لم ينشأ على أن يُحب لغة قومه، استخف بتراث
أمته، واستهان بخصائص قوميته. ومن لم يبذل الجهد في بلوغ درجة
الإتقان في أمر من الأمور الجوهرية، اتسمت حياته بتبلّد الشعور
وانحلال الشخصية، والقعود عن العمل، وأصبح دَيْدنه التهاون
والسطحية في سائر الأمور"
إن السعي لإتقان العربية لا يعني أبداً التخلي عن تعلُّم
اللغات الأجنبية الحية، بل من المهم جداً أن يتقن العالِم
العربي لغة أجنبية واحدة على الأقل! هذا ما يفعله علماء البلاد
المتقدمة، والأحرى أن يفعله علماؤنا.